أنت أنت أيتها الخنساء.. امرأة واحدة وكل النساء أنت ! تحدقين في المرآة فلا ترين نفسك إلا شعاعاً يتدفق من مصدر إلهي، تسيرين بخفة الزّغب المتطاير مع نسمة صيفية، وحين ترقدين ترف أجنحة السكينة حولك كفراشة تهدأ .. أصابعك مترفة كبتلة الوردة حين تنثر عطرها، وفي جسدك رعشة تدوم.. تكمن.. وفي كل لقاء تظهر.. وبين شفتيك طيب الجذور حين تتكشف، وفي رئتيك شهقة الغبطة حين الدهشة.. وفي قلبك عزف شغيف شجيّ على وتر شغاف القلب، مكتظة حتى الفيض أنت، كأنك النهر حين احتدام الماء.. كأنك الحقول أينعت سنابلها فحان قطافها، ولكن تنبت من جديد.. حصادك آني يدوم في كل الفصول، أنت زرع الله الدائم ديمومة الاخضرار وجودك هو الوجود ولا وجود إلا بك أنت حسن الله في أرضه منك الصعود إلى أعالي السماء وبك الهبوط إلى دركات القاع..

" أم رضوان الشيخ خليل " أو " خنساء فلسطين" اسم لمع وتوهج نوره في ميدان الجهاد والمقاومة.. عن امرأة قدمت خمسة من أبناء شهداء نتحدث، ارتقى منهم الواحد تلو الآخر وهي تشهد بمئين عيونها على أعراس شهادتهم.. امرأة من زمن آخر زمن الخنساء الجليلة المحتسبة وزمن أم عمارة وعقيلة الصبر زينب عليها السلام..

نتحدث اليوم عن امرأة تجرعت كأس العلقم مرات ومرات، وصبّ فوق كاهلها الأسى فما كلت مرّة ولا استكانت، وكانت الأقدر دوماً على صدّ الألم بمعجزة صبرها حتى استحقت بجدارة لقب الخنساء الأولى " خنساء فلسطين" و " أم الشهداء الخمسة" "وخنساء الأمة" و"خنساء العصر" وكل الألقاب تتقزم أمام عظيم فعلها وشموخ صبرها، ونهر عطائها، وضجيج رحيلها..

نشأتها
تجلى شعاع مولد الخنساء فاطمة يوسف إبراهيم الجزار مطلع العام 1942م بين جنبات أسرة فلسطينية مجاهدة في قرية " يبنا" الواقعة في السهل الأوسط إلى الجنوب من مدينة يافا المحتلة، استعانت على أقل القليل لتكمل مسيرة عيشها الصعبة كما حال بقية الأسر الفلسطينية التي عانت الفقر المدقع نتيجة لوصاية الانتداب آنذاك.. ترعرعت " الخنساء" وهي ترقب هيبة الأرض وجمال السماء وطيب الزرع وعذوبة الماء في تضاريس " فلسطين ".. إلى أن جاءت غربان الموت وهاجمت عصابات الإرهاب الصهيوني القرى الآمنة وطردت سكانها من بيوتهم .. فتحول المشهد رمادياً باهتاً خلافاً لتلك الصورة التي عايشتها الخنساء..

ابنة الست سنوات هجرت " الخنساء " من قريتها الصغيرة الآمنة " يبنا" بعد أن أصدرت الأوامر العسكرية بتهجير سكانها في الرابع من يونيو عام 1948م، حيث قامت المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم القرية وتشريد أهلها وطمس صورة الحياة فيها.. فاختارت عائلة " الخنساء" قطاع غزة وجهة إليها، وانتقلت للعيش فيها، لتحط الرحال والمقام بمدينة رفح وبالتحديد مخيم يبنا.

من تلك اللحظة قيّدت " الخنساء " على قوائم اللجوء والتشريد، واستطال الحال إلى سنوات والأمل لم يزل معلق بقلبها بأن تعود إلى قريتها " يبنا " يوماً.. ولم يخمد الأمل.

حياتها الأولى
تزوجت " الخنساء " من السيد خليل الشيخ خليل "أبو رضوان " -رحمه الله- وكان زواجها بهذا الرجل مرحلة تحول كبيرة في حياتها، حيث استطاعت أن تكوّن عائلة من 13 فرداً، 7 من الذكور و5 من الاناث، لتبدأ مع هذه العائلة ثاني فصول الحكاية التي تزاحمت فيها مشاهد التعب والشقاء.. الحب والعناء.. الجهاد والشهادة.. فيض كبير من العشق لفلسطين وأرضها دفعها فيما بعد أن تقدم لائحة طويلة من التضحيات كانت كفيلة لأن تخلّد اسمها كأيقونة للمرأة الفلسطينية المعطاءة.

لم يلبث الحاج "أبو خضر " زوج " الخنساء " طويلاً حتى توفاه الله، وترك من خلفه حملاً ثقيلاً على كاهلها أثقل من الجبال، فكانت نعم من حمل الأمانة ونعم من حافظ عليها ونعم من ردّها بحق، لتتكفل بتربية أبنائها على الأخلاق الحميدة وحب الوطن.

تجاوزت " الخنساء " بعد فقد زوجها كل الصّعاب، وأكملت طريقها وحدها تكابد مشاقّ الحياة لتطعم صغارها وتوفّر لهم حياة كريمة، فالتجأت للعمل بمهنة الحياكة، ولم تشعر بانتمائها لذاتها يوماً، بل ضلّ انتمائها إلى عائلتها التي ربتها بمئين عيونها على كل خلق فضيل.

سنوات قليلة كبر الأبناء في عيون أمهم والوطن، وأصبحوا جزء من حياة المخيم " مخيم يبنا "، حملوا أمانيهم وجالوا في أزقة المخيم الفقير، يبحثون فيها عن سبيل يقودهم إلى الوطن السليب، وأصبحت عيونهم تدور في سماء الوطن الرحيبة، علّهم يعرفون طريقاً للقدس في زرقة السماء..

اشتعل فتيل انتفاضة الحجارة الأولى، وانفجر الشعب الفلسطيني بأكمله في وجه عدوه ومغتصب أرضه، لم يكن لأولاد " الخنساء" من أبناء عائلة الشيخ خليل إلا الانصهار في تلك الملحمة البطولية التي سطرها الشعب الفلسطيني بدمائه.. لم تحاذر " الخنساء" على أبنائها يوماً، لم تطلب من الركود، لم تخاف عليهم من مواجهة العدو، لم تتقوقع على نفسها، وتندب حظها، بل كانت تدفعهم للجهاد والنضال، وتساندهم وتشاركهم النزول إلى الشارع ومقارعة الأعداء وجهاً لوجها في شوارع المخيم، وتمارس دورها في إحياء فريضة الجهاد المغيبة..

ومما يبعث على الغرابة فعلاً، أن امرأة كـ " أم رضوان_ الخنساء" وبعد مشوار العناء الطويل والمضني في تربية أطفالها، لم تخبئهم عن الخطر، ولم تنهاهم عن الوقوف في ميدان المواجهة مع العدو الصهيوني، بل كانت معهم جنباً إلى جنب في كل اشتباك، وأعلنتها بكل صراحة وصدق أنها " نذرت ثلاثة من أبنائها في سبيل الله" فأوفت بنذرها وزيادة .

بداية مشوار الصبر والعطاء

ومع تسارع الأحداث لانتفاضة الحجارة الأولى، كانت قبضة الاحتلال تشتد وتزيد من خناقها على شعبنا، وخاصة الشباب الفاعلين والمؤثرين، فكان اعتقال نجليها شرف وأشرف، وبعد ثمانية عشر شهراً من الاعتقال أفرج عنهم لتبدأ رحلة مقارعة الاحتلال بشكل أوسع، لتفتح بيتها لأبنائها ورفاق دربهم في الجهاد والمقاومة، ورغم الملاحقة المستمرة من قوات الاحتلال لأبنائها إلا أنها حثتهم على المقاومة والصمود، لينتقل شرف وأشرف للمطاردة والملاحقة، وتشتد الحملة عليهم وعيون العملاء والأعداء تترصدهم ويصبح بيته أم رضوان محط التفتيش والتعذيب والقهر اليومي لجنود الاحتلال، وأصبح مشهد قلب محتويات البيت البسيط المتواضع رأساً على عقب، مشهد متكرر، لم تيأس أم رضوان أو يتسلل لقلبها الخوف بل زاد ذلك من يقينها من مقارعة الاحتلال وتقديم أبنائها الشهداء فداء لله وللوطن، كما قدمت قبل سنوات من اندلاع انتفاضة الحجارة شقيقها خضر الذي كان من أبرز المطاردين والمطلوبين لقوات الاحتلال الصهيوني، حيث كان يعمل في جيش التحرير الفلسطيني، وقد أذاق قوات الاحتلال الصهيوني الويلات وقتل من العديد، وطورد سنوات حتى تم اغتياله أوائل الثمانينات.

وما هي إلا فترة بسيطة حتى انتقل شرف وأشرف للعيش خارج فلسطين على إثر الملاحقة المكثفة من قوات الاحتلال الصهيوني، ومضت الحاجة أم رضوان على طريق العزة والكرامة في أولى خطوات التضحية بفراق أحبتها ومهجة قلبها شرف وأشرف في المنفى قسراً، لم تجزع ولم تطلب الرحمة من الاحتلال، ولم تتراجع قيد أنملة، بل أكملت المشوار تدعي لأبنائها بالتوفيق والسداد والاثخان في العدو، ومع اشتداد الهجمة الصهيونية اضطر الأخوة للسفر إلى الخارج، كما كان يفعل المطاردين لتخفيف الضغط عن عائلتهم من الاقتحامات والمداهمات المنزلية شبه اليومي ، ثم يسوق القدر ابنها محمد ذو السادسة عشر للمطاردة إثر نشاطه في الانتفاضة الأولى وملاحقة العملاء وجنود الاحتلال.

وتبدأ أم رضوان المشوار الصعب ثلاثة من أبنائها مطاردين ومطلوبين لقوات الاحتلال الصهيوني في الدول العربية، وقلبها معهم يدعو لهم ولسانها يحثهم على الصبر وعدم التراجع والثأر للثكالى والاثخان في العدو الصهيوني، وهي التي شاهدت جرائم الاحتلال في الهجرة والنكبة ومشهد القتل اليومي.

لتستقبل الخنساء أم رضوان الخبر الأول فكان استشهاد "أشرف" أعز أبنائها على قلبها، الذي ارتقى إلى العلا شهيداً في اشتباكٍ مسلح مع قوات الاحتلال بتاريخ 1-7-1991م في عملية «بليدة» بالاشتراك مع المقاومة الإسلامية في لبنان، كان الفقد الأول الأكثر ألماً على قلب " الخنساء ".

وعلى الرغم من ذلك تلقت " الخنساء " نبأ استشهاد ابنها " أشرف " برضى عظيم، واستقبلت المهنئين والوافدين إليها لتهنئتها باستشهاد ابنها.. وعلى إثر حادثة استشهاد "أشرف" لوحق إخوانه واحداً تلو الأخر وأوذوا وعذبوا وسجنوا...

لم تلبث " الخنساء" طويلاً، حتى كانت على موعد آخر مع استشهاد الابن الثاني " شرف " الذي ارتقى خلال اشتباكٍ مسلح في وسط البحر بالقرب من مخيم «نهر البارد» شمال لبنان، حيث كانت عمليته ضمن عمليات التصدي لقوات الإنزال البحري الصهيوني على لبنان بتاريخ 2-1-1992م.. وأثبت " الخنساء" بأنها نعم الأم الصابرة التي تتلقى أقدار ربها خيرها وشرها برضى دون سخط أو جزع.

صبرت الخنساء أم رضوان على فقدان أبنائها الشهداء شرف وأشرف على طريق الحرية وتحرير فلسطين، لتنقل لمأساة جديدة وامتحان جديد في الصبر والبلاء، فكان القدر هذه المرة مع اعتقال ابنها محمد خمس سنوات في السجون المصرية متنقلة بين السجون المصرية للسؤال عنه، حيث بقيت سنوات تسأل عنه ولا إجابة ولا تأكيدات رسمية بأنه على قيد الحياة، ليبقى قلبها معلق بحبيبها وابنها الغالي محمد، وبقي السؤال الشاغل لها هل هو حي أم معتقل، ولم يراودها الشك يوماً بأنها بكل سهولة لن تلتقي بمحمد مرة أخرى، ليصل إليها الخبر الأكيد بأن محمد معتقل في سجن طرة، لتزوره من بعدها، ويفرج عن محمد بعد أن قضى خمس سنوات في السجون المصرية.

عادت لتزخر بالعطاء من جديد
وتشتعل انتفاضة الأقصى الثانية، ويبدأ محمد مشواره الجهادي وكان أول من قارع الاحتلال وبدأ بإطلاق الرصاص والقذائف تجاه جنود الاحتلال ومغتصبات العدو الصهيوني، ليصاب محمد في مهمة جهادية تؤدي إلى بتر قدمه وإصابة في يديه، وتقطع أشلاء محمد أمام ناظر عيني والدته الخنساء أم رضوان وما ضعفت ولا تراجعت، وبكل صبر وقوة قالت له: يا محمد سبقتك أعضاؤك للجنة ، وأكمل دربك أخوتك شرف وأشرف.

ومضت السنين ونذر "الخنساء" لم يكتمل بعد، وشاءت أقدار الله في الثالث من شهر رمضان الموافق 17-10-2004م، أن يكون الشهيد المهندس " محمود الشيخ خليل " ثالث إخوانه الشهداء، ليكمل بدمه الزكي استحقاق نذر أمه لله، بعد أن استهدف منزل العائلة من قبل طائرات الغدر الصهيونية بصاروخ واحد على الأقل، ليرتقي " محمود " شهيداً، ويكتب لأخيه الشهيد القائد الكبير "محمد الشيخ خليل" النجاة آنذاك، ووقفت أمام كاميرات الصحافة تردد "الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، سلم ع اخوانك يا محمود وإن شاء الله سبقتني على الجنة".

بعد استشهاد المهندس "محمود الشيخ خليل" ظن الكثير أن الحاجة " أم رضوان_خنساء فلسطين" قد أكملت حق الله عليها وأوفت بنذرها لربها، وأن عهدها بأعراس الشهادة قد توقف بعد أن قدمت ثلاثة من أبنائها في سبيل الله –تعالى- لكن ما كانت تخبئه الأقدار أكبر وأعظم، وكانت "الخنساء" أمام قدر جديد وعرس شهادة آخر برحيل ابنها الرابع، الشهيد القائد الكبير "محمد الشيخ خليل" الذي كان قد تعرض لأربع محاولات اغتيال باءت كلها بالفشل، وكان آخر محاولات الاغتيال الفاشلة تلك التي حدثت عندما أطلقت طائرة صهيونية صاروخاً على بيته في مخيم يبنا جنوب رفح في شهر تشرين الأول/أكتوبر لعام 2004م، إلا أنه لم يكن موجوداً في المنزل لحظة الاستهداف، وأدت محاولة الاغتيال هذه إلى استشهاد شقيقه "محمود"، ولكن وفي مساء يوم الأحد 25/9/2005م، تمكنت طائرات الاستطلاع الصهيونية من اغتيال القائد محمد الشيخ خليل " الشيخ خليل " بعد أن قصفت سيارته أثناء سيرها على الطريق الساحلي لمنطقة تل الهوا جنوب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاده ومرافقه القائد نصر برهوم، ووقفت من جديد أمام جثمان ابنها محمد تردد "الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، سلم ع اخوانك يا محمد وإن شاء الله سبقتني على الجنة".

تجاوزت الأقدار كل حسابات البشر، وشقت طريقها إلى قلب "الخنساء" الصابرة سيدة نساء عصرها وزمانها، التي لم تضعف أمام سيل الابتلاءات، وضلت واقفة راسخة كالجبل الأشم.. ثمة أحد منا لم يكن يعلم أن القدر لا زال مشرعاً أبوابه لشهيد خامس من بيت الشهادة والشهداء، ولكنه مدّ يده هذه المرة إلى الشهيد القائد "أحمد الشيخ خليل" مهندس الصواريخ التي ألهبت قلب الكيان وأثخنت فيه الجراح.. ليرتقي هو أيضاً ويؤثر اللحاق بأخوته بعد أن استهدف بعدد من الصواريخ التي كانت قد أطلقتها طائرات الغدر الصهيونية تجاهه برفقة عدد من المجاهدين أثناء تجربة صاروخية ضخمة بتاريخ 29/10/2011م، ووقفت أمام جثمان ابنها أحمد تردد "الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، سلم ع اخوانك يا أحمد وإن شاء الله سبقتني على الجنة، والله لو عندي 100 ابن لأقدمهم في سبيل الله".

وكما كانت تودع أبنائها الخمسة، وبقلب الجدة الحنونة وقفت أم رضوان أمام جثث أحفادها وتقول "الحمد لله، استشهدوا رجال وعلى درب أخوالكم".

نعم هذه هي " خنساء فلسطين " التي قدمت خمسة من أبنائها شهداء " شرف وأشرف ومحمود ومحمد وأحمد " وثلاثة من أحفادها " خالد ورائد الغنام والشهيد حسن أبو زيد " وزوج ابنتها الشهيد البطل " خالد عواجة" قرابين على مذبح الاسلام وفلسطين. وحفيدها فراس أحمد أبو زيد أسيراً لدى الاحتلال الصهيوني.

نهر متدفق منذ ثلاثون عاماً
أن تقدم الأم أبنائها شهداء فهذا رأيناه في أمهات شعبنا، وأن ترى الخنساوات يقدمن فلذات أكبادهن شهداء في سبيل الله وتحرير الأرض فهذا ما عشناه ورأيناه، لكن مثل أم رضوان الشيخ خليل لم نرى بعد، فهي منذ ثلاثين عاماً وهي تقدم الشهداء والأسرى والجرحى، قدمت ما قدمت على مدى ثلاثين عاماً لم تضعف ولم تكل ولم تمل، ترى الشهداء كل يوم من بيتها يخرجون أبناءها الخمسة وأحفادها الثلاثة وشقيقها وزوج ابنتها، وكل ذلك وهي راضية، في كل سنة تفتح الفردوس بابها لاستقبال قطعة من الخنساء، متلهفة لاستقبال الخنساء أم رضوان، ثلاثين عاماً وهي صامدة راضية بقضاء الله وقدره، وتتسابق في التضحية والعطاء، لم تندم يوماً أو تتراجع، وكيف تتراجع وهي تنظر لنتاج مقاومة ابنائها، وترى قتلى اليهود من فعل فلذات أكبادها أشرف وشرف، وعبوات وقذائف محمود، رأت الانسحاب وفرحة ابنها محمد، ورأت صواريخ ابنها أحمد وهي ترعب الاحتلال، وتحمد الله دوماً وتفتخر بمشوارها وتتنظر اليوم الذي ترتحل فيه إلى جوار أبنائها الشهداء كما قالت سابقاً أتمنى أن يجمعني الله بهم في الفردوس الأعلى وأن أنام بجانبهم وأدفن بجوارهم".

رصيد أعمالها
ويشهد للخنساء مشاركتها الفاعلة في انتفاضة الحجارة الأولى، التي كانت تقف فيها جنباً إلى جنب مع أبناء المخيم الثائرين في وجه جيش العدو وتقدم لهم الماء وكل ما يلزمهم أثناء المواجهة، ولطالما فتحت بيتها للمطاردين والمناضلين، ووفرت لهم المأوي والمأكل رغم الوضع المادي الصعب الذي كانت تعاني منه آنذاك.

كانت "الخنساء" -رحمها الله- السيدة الجامعة التي تحفظ تركة أبنائها من بعد استشهادهم، فحفظت أمانتهم وتعهدت أحفادها اليتامى بالرعاية وحسن التربية، فكانت خير من حمل الأمانة وخير من يؤدها بحق.

ومن أوجه الخير التي قامت به " الخنساء" تبرعها بجزء كبير من مخصصات أبنائها الشهداء، للمحتاجين والمرضى ولأصحاب الأسر الفقيرة، وكان إسهامها في هذا الجانب كبير جداً إلى أن توفاها الله عز وجل .

أفردت " الخنساء " الطابق الأرضي من منزلها للعمل الدعوي النسائي، وخصصت عدد من الأيام للدروس الدينية الدعوية، التي رعتها من ألفها إلى يائها من تقديم الضيافة والقرطاسية وكل ما يلزم لزوارها.

حرصت "الخنساء" على تجهيز وجبات طعام وسحور للمرابطين، وتقديم كل ما يلزمهم من ماء وشراب طوال فترة رباطهم، هذا ما عرفت به سيدة الأخلاق والأم الفاضلة " الحاجة أم رضوان_ خنساء فلسطين".

كما حرصت "الخنساء" على زيارة قبر أبنائها على الدوام والدعاء لهم، وتصطحب أحفادها لزيارة قبور أباءهم الشهداء وتعرفهم بحياة آبائهم وتحثهم بالسير على ذات الدرب، ويحسب لها أن أحسنت تربيتهم وكانت نعم المربية والحاضنة لهم من بعد استشهاده آبائهم".

سفرها للخارج

تمكنت من زيارة لبنان وسوريا للقاء الدكتور فتحي الشقاقي بعد استشهاد ابنها " أشرف" في العام 1991م.

زارت "الخنساء" مصر لأكثر من خمس مرات أثناء سجن أولادها في سجن "طرة" ما بين العام 1994/1998 إلى أن أطلق سراحهم بعد هذه المدة.

أكرم الله " الخنساء " بحج بيت الله الحرام مرتين في العامين 2000- 2003.

ومنّ الله على " الخنساء" للذهاب إلى بيت الله معتمرة ثلاث مرات على مدار ثلاث سنوات متتالية 2011- 2012- 2013.
رافقت ابنها الشهيد القائد " أحمد الشيخ خليل" في رحلته إلى لبنان وسوريا والتي تمكنت فيها من لقاء الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي الدكتور رمضان شلّح في العام 2010م.

دعيت " الخنساء" لحضور المهرجان النسوي السنوي في الجمهورية الإسلامية الايرانية في العام 2011م.

مرضها وارتقائها
ومع تقدم الحاجة " أم رضوان_خنساء فلسطين" في السن، كانت عرضة للإصابة بأمراض الكبر، وكان جسدها بالكاد يستجيب للعلاجات والأدوية.. في الشهور الأخيرة قبل وفاتها وارتقائها إلى بارئها كانت كسيرة نتيجة لوقوع مفاجئ أدى إلى التهاب في أحد مفاصلها، ضلت حبيسة لهذا الكسر الذي لم يستجب للعلاجات في مشافي القطاع، ما استدعى إلى تحويلها للعلاج في مصر، ولم يظهر عليها هناك أي استجابة للعلاج، فـ تقرر تحويلها للعلاج في بيروت، لكن قدر الله كان أسبق، وارتقت روحها الطاهرة عشية تجهيز إجراءات سفرها إلى لبنان..

غفت عين " الخنساء" بعد 74 عام من التعب والنصب، رحلت وخلفت في قلب كل من أحبها غصة لا يمكن أن تنمحي مهما مرت اللحظات وانقضت السنوات.. فسلاماً أم الرجال .. سلاماً .. وهنيئاً لك هذا العروج المبارك للقاء الأبناء والصحب والأحبة في الفردوس الأعلى إن شاء الله.

أهم عباراتها
هذا ما قالته " الخنساء" بعد استشهاد ابنها الشهيد القائد " محمد الشيخ خليل -رحمه الله- " أحمد الله وأشكره على أنني قدمت أربعة من أبنائي شهداء"

وبعد استشهاد ابنها الخامس أحمد قالت مقولتها الشهيرة عند سماعها نبأ استشهاده بصبرٍ واحتساب "رزقت أربعة منهم الشهادة، وألحقت الخامس بهم.. فاجمعني معهم في الفردوس الأعلى".

في وداع " الخنساء" لابنها الخامس: "لست نادمة لأنني قدمت أبنائي شهداء لله، لقد قدمت 4 شهداء في السابق وها أنا اليوم أقدم الشهيد الخامس, وفخورة بهم كل الفخر بكونهم مجاهدين في سبيل الله, واستطاعوا أن ينالوا شرف الشهادة الذي يطمح الكثيرين للحصول عليها".

رداً على سؤال أحد الصحفيين للخنساء إذا ما اكتفت بتقديم المزيد من أبنائها شهداء :'لا حل إلا بالجهاد والمقاومة، وسأستمر في تقديم الشهداء حتى يأذن الله بالنصر ... على استعداد أن أقدم باقي أولادي من أجل القدس ، فلن تكسر دبابات الاحتلال إرادتنا، وسنبقى على العهد ما حيينا".

وكان الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور رمضان شلح قد كتب رثاء في وداع الحاجة " الخنساء" أم رضوان الشيخ خليل جاء فيها:
« يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي»
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة الحاجة «الوالدة» أم رضوان الشيخ خليل، التي وافتها المنية مساء أمس الثلاثاء 16 رمضان 1437هـ الموافق 21 حزيران 2016م.
منذ سمعت النبأ، أحسست أن أمي التي رحلت عنا منذ عشر سنوات تغادرنا مرة أخرى.

لم تكن أمنا «أم رضوان» امرأة عادية! كانت واحدة من أعظم نساء فلسطين والأمة في هذا العصر، وسيخلد اسمها في التاريخ بحروف من نور.

أسموها «خنساء فلسطين»، ولو عادت الخنساء اليوم؛ لأسميناها «أم رضوان»!

كيف استطاعت «الأم» أن تودع خمسة من فلذات كبدها، ومثلهم من أحفادها وأصهارها، بابتسامتها العذبة، التي طالما ارتسمت على وجهها؛ لترسم في قلوبنا وأرواحنا أجمل صورة لفلسطين، كل فلسطين؟!

ماذا يمكنني أن أقول في وداعك، يا أم الشهداء، يا أم رضوان، وأنت التي أعطيتنا بلا حساب، وبلا حدود، ولم نسمع أنك يوماً قلت لأحدٍ «هات»؟!

أنت والله سيدة الأقمار الخمسة، بل العشرة، التي ارتقت إلى العلا، لكنها لم تغب عنا.. وأنت شمس فلسطين التي لا تنطفئ، ولا يقوى على وصف جمالها كل الكلام.

وما كلام الأنام في الشمس إلا أنها الشمس ليس فيها كلام
كان حضورك وجهادك، يا أم رضوان، من أعظم المآثر النضالية التي دلت على معدن هذا الشعب الأصيل المعطاء، وعلى عظيم ولائه لله وإيمانه به، وعلى حبه وانتمائه للوطن الذي لن يفرط ولن يسامح في ذرة من ترابه.

لقد كنت، وستظلين، مدرسة لنا تنهل منها الأجيال دروساً في معاني الانتماء لإسلامنا العظيم، ووطننا السليب، إلى أن يتحرر بعون الله.

إن شعباً أنجب أمثال أم رضوان الشيخ خليل، وأم نضال فرحات، وغيرهن من أمهات الشهداء، هو شعب لن ينكسر وبإذن الله، سينتصر، طال النهار أم قصر.

لقد تعلمنا منك، يا أم رضوان، ومن كل أمهات الشهداء، كيف يكون الإيمان، وكيف يكون الصبر، وكيف نقوى على ألم فراق أحب الناس وأغلاهم. وها أنت في صمت وجلال، وبخطى وادعة ثابتة، ترحلين على عجل، وقد رضى الله عنك؛ فاختارك إلى جواره، فيا نعم الجوار ونعم الدار!

في رحلة وداعك هذه، لو فرشنا لك رمش عيوننا من قاهرة المعز إلى مثواك الأخير في رفح الأبطال، ما وفيناك حقك، يا أم الشهداء، ويا صانعة الرجال الرجال!

يا لوجع قلبي أن منفاي، يا أم الأحرار، يحرمني أن أحمل نعشك كما حرمني من قبل حمل نعش أمي وأبي!

سلواي أنيٍّ على ثقة أن كثيرين من أبنائك، أبناء الجهاد وشباب فلسطين، سيتصدقون عليّ بأن يحملوا نعشك نيابة عني ولو لبضع خطوات.

في وداعك يا أم رضوان.. لا نقول إلا ما يرضي ربنا سبحانه وتعالى، فادعوه مخلصاً أن يسكنك فسيح جناته، وأضرع إليه في علاه، أن يتولاك برحمته الواسعة، وأن ينزلك في رياض الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه سميع الدعاء.

لأسرتك وكل الأبناء والأحفاد والأقارب، ولحركتك، حركة الجهاد الإٍسلامي ودرتها «سرايا القدس»، ولشعبك العظيم، وشرفاء أمتك، كل معاني العزاء، وخالص الدعاء بأن يلهم الله الجميع لفقدك الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

د. رمضان عبدالله شلّح
الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
17 رمضان 1437هـ 22 حزيران/ يونيو/ 2016م