الحمد لله على نعمة ترامب... بقلم محمد مشتهى :


من الواضح قبل مجيئ ترامب الى سدة الرئاسة كان الانسان عموما والمواطن العربي والأمريكي والأوروبي على وجه الخصوص يعانون من ضجيج يربك وضوح المشهد السياسي بحقيقته المجردة فكانوا يتساءلون من مع من؟ ومن ضد من؟ فجاء ترامب ليختصر الزمن ويضغط السنوات ببعض ببعضاً ليزيل جميع أنواع المساحيق التجميلية عن الممثلين، فالمشهد الآن أقل تكلفة ومعاناة وبات لا يحتاج الى كومبارس ولا الى مخرج يلقن الممثل من وراء الستار ولا هو بحاجة إلى مزيد من مشاهد الآكشن والدراما، وسيشهد المستقبل القريب كسادا وبطالة في وسط التمثيل السياسي حيث أن القادم لا يمكن أن يستوعب الممثلين الصغار ولا حتى المهنيين منهم، فالأمر أصبح جلل، ولا أحد ربما يستطيع الاستمرار بالتمثيل السياسي أكثر من ذلك سوى الخبراء، علماء التمثيل السياسي والنخب الذين كانوا في الماضي لا يبذلون الا جهدا قليلا، لكن اليوم الساحة ووفق سياسة ترامب الجديدة أصبحت بحاجة لنزولهم إضطراريا، فوضوح المشهد لدى الانسان و المواطن أصبح بحاجة الى محترفين أمثالهم يستخدمون أدوات وشعارات حديثة ومتطورة جدا لكي يعيدوا هذا الإنسان وهذا المواطن الى بيت الطاعة والتضليل من جديد.

لقد مارست حكومات ورؤساء الولايات المتحدة الأمريكية التضليل والدعاية الإعلامية ( بروباغندا ) عبر سنوات طويلة وخاصة بعد انتهاء الحروب العالمية حتى على مواطنيها وأدرجتها ضمن خططها الاستراتيجية طويلة الأمد، فكانت تلبس لباس الطهر والإنسانية والسلام أمام كاميرات صنعتها هي خصيصا لهذا الهدف، وكانت تُكتب الكتابات بأقلام هي جندتها منذ زمن، حتى أنها وصلت وتدخلت بالتفاصيل المجتمعية والدينية للبلدان وأرست أقدامها فيها وصار لها العلماء والكتاب والخطباء والوزراء وصولا الى رأس الهرم الرئاسي، نعم لا ننكر بأن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت بالسيطرة على العديد من البلدان تارة بالفكر او الارهاب أو الجوع أو جمعيها حتى خضع المواطن البسيط الى الرئيس العتيد لسياستها.

ترامب جاء ليحصد ثمار تعب وجهد الإدارات الأمريكية السابقة بسرعة ودون تفكير، وهنا نضرب مثالا بسيطا على ذلك؛ ترامب في دعايته الانتخابية قال للمواطن الأمريكي بأنه يستطيع أن يسد الديون الأمريكية المتراكمة من دول الخليج وعليهم أن يدفعوا. وأضاف، صدقوني وتابعوني وسترونني أفعل ذلك...انتهى، لو تمعنت في خطابه ووعوده لرأيتها وعودا ساذجة وخطابا متهورا، ألم يكن الرؤساء السابقون لأمريكا يعلمون بأنهم قادرون على جلب الأموال من دول الخليج؟ ألم يعلم ترامب أنه منذ سنوات طويلة وأمريكا تعمل على إخضاع دول الخليج لسياستها؟ ألم يعلم بأن القواعد والمشاريع الأمريكية تدر أموالا طائلة على خزينتها؟ لكنه تجاهل بأن السياسة الأمريكية بعد الحروب العالمية أصبحت تعتمد على الأمراض المزمنة وليست الحادة فهي تعتمد على التدرج في الوصول، وتجاهل أيضا بأن أمريكا لا تريد فضح وإذلال مموليها ورؤسائهم إلا إذا حادَ أحدهم عن الطريق الذي رسم له، فهي لا تريدهم أن يظهروا بمظهر العبيد لها بل تريدهم أقوياء أمام شعوبهم ليكونوا قادرين على تنفيذ السياسات الأمريكية.

اليوم وخلال بضعة أشهر فقط وبصورة متهورة وخاطفة جاء ترامب ليحيط نفسه "بترُمبات" مثله ليخالف الجميع ويظن بأنه المخلّص للشعب الأمريكي ولبطالته وديونه ويعتبر بأن أسلافه من بعد الحروب العالمية مجرد ضعفاء وأغبياء فكل الثروات أمامهم لكنهم كانوا مقصرين في جمعها وكل القوة معهم لكنهم لا يستخدمونها فقرر ترامب أن يكون البطل والمخلّص كما وعد ناخبيه.

بدأ ترامب باستخدام مخزون القوة الأمريكية فأخرج أم القنابل انتقاما لمقتل بضعة من جنوده في أفغانستان، ثم وجّه ضربة عسكرية لسوريا إلى أن بدأ بتهديد كوريا الشمالية، هنا اصطدم ترامب بالواقع بأنه لا يمكن إخضاع الجميع بالقوة الأمريكية فهز رأسه الذي يعاني من صداع نفسي وذهب الى الملف الاقتصادي كما وعد ناخبيه، وفي أيام معدودات وبسرعة البرق أمر السعودية بأن تدفع للخزينة الأمريكية مقابل حمايتها من الشر الايراني على حد ما تم تخزينه أمريكياً في الرأس السعودي مسبقا، فما كان من السعودية إلا أن تقول له سمعا وطاعة لكن دعني أخرجها بمخرج يحفظ هيبتي وملكي أمام شعبي على الأقل، فأمهلها بضعة أيام، فاجتهدت السعودية وجمعت ما استطاعت جمعه بسرعة البرق الخرافية من الدول مستخدمةً نفوذها الاقتصادي ونفوذها الديني الروحاني وأخرجت المشهد بصورة هي قد تعودت عليها مسبقا لكنها كانت لا ترغب بهذا الاستعجال وبالرغم من محاولات السعودية البائسة للحفاظ على اسمها وملكها وهيبتها فقد كان لهذه القمة ترددات كبيرة أضعفت السعودية بشكل حاد وسريع وأظهرتها بمظهر العبد الخائف الذي يدفع الجزية لأمريكا مقابل حمايتها وأضرت حتى نفوذها عند الكثير من الدول كون أنها أخرجت البيان الختامي دون حتى علم تلك الدول.

وعندما نجح ترامب أخيرا في إحدى الملفات الاقتصادية ورجع إلى ناخبيه ليحمل لهم البشرى والهدايا صفق له بعض المواطنين المضللين أصلا ووضع بعضهم يداه على رأسه خوفا من القادم، لم يهدأ ترامب وتشجع في هذا الملف؛ وبعد سويعات فقط جمع أيضا رؤساء الناتو وهو الصنيعة الأمريكية التي تعبت عليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لكي تبقى القوة الضاربة الدولية القانونية لتستخدمها وقتما شاءت وبإخراج قانوني، جمعهم ترامب لكي يطلب منهم سداد الديون المستحقة عليهم، أي سذاجة وأي وضوح هذا!! ألم يعلم المحاسب الأمريكي قبل ذلك بأن هناك ديون على الأوروبيين؟ وجاء فجأة إكتشفها ترامب؟!!!...نفس المسار ونفس الطريق التي سلكه مع السعودية والخليج يسلكه الآن مع الأوروبيين، نعم سيفعلون ما يريد، لكن الخطورة تكمن في أن العديد من سياساتهم وخططهم المستقبلية ستتخذ طرقا و وبدائل عديدة غير البديل الأمريكي، فالأوروبي لم يعتد على الابتزاز وبطبيعته فهو ماكر جيد، إذاً نجح ترامب مؤقتا في الملف الاقتصادي ولم يتقدم أي خطوة في الملف العسكري نظرا لارتطامه بكوريا الشمالية ورفض الصين لخطواته المتهورة.

ذهب ترامب ليخترق الملف السياسي وأي ملف سياسي أهم من ملف "إسرائيل" وأمنها، وكما وعدهم في حملته الانتخابية بنقل سفارته الى القدس، هنا فكر ترامب قليلا وهو ليس من عادته التفكير بل " إسرائيل" من فكرت لتستغل هذا الرئيس الطارئ والذي قد يذهب بأي لحظة، المهم أراد ترامب أن يمنح "إسرائيل" مدللته ونسيبته شيئا أكبر من نقل السفارة، وهو تصفية القضية برمتها وتطبيع مجاني معها وهذا على الأقل لم تحلم به "إسرائيل" سريعا بل كانت تنتظره بعد خمس الى عشر سنوات على الأقل ريثما تنتهي مرحلة إضعاف الجيوش العربية ومقاومتها، فإسرائيل لم تعتد على هذه السرعة الأمريكية، لكن حلم "إسرائيل" التوسعي جعل لعابها يسيل لهذه المنحة الترامبية، فجاء ترامب حاملا كل شيء "لإسرائيل" ولا شيء لفلسطين سوى التحيات، حمل المال وضمان التفوق العسكري والأمن والتطبيع المجاني وأرهبة حماس وإيران وحزب الله والوعود بالمساعدة لإرجاع جنودها الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية، كل هذا حمله " لإسرائيل" لكن بالمقابل ماذا حمل ترامب للفلسطينيين سوى التحيات؟.

لقد اعتادت " إسرائيل" على سياسة القضم للأرض الفلسطينية باستغلال الزمان المناسب رويدا رويدا وفق التوافق مع السياسة الأمريكية المعهودة، لكن سياسة ترامب الجديدة والواضحة والسريعة ستسمح "لإسرائيل" في المستقبل القريب للتغول أكثر فأكثر والتسريع في بناء المستوطنات أينما تشاء ووقتما تشاء لتبدأ تسابق زمن ترامب.

ومن هذا الاستعراض لسياسة ترامب الجيدة نجد بأن هذا الرجل السريع اختصر كثيرا من الوقت علينا، فقد كانت السياسة الأمريكية المقنّعة والهادئة خطيرة جدا على كل مكونات الأمة العربية والإسلامية ومن الصعوبة على المواطن البسيط تحديد علامات الخير والشر فيها ويمكن له بسهولة أن يقع في شركها ومكرها، لكن ومع هذا الوضوح الكبير في القول والفعل فإننا نحمد الله على نعمة ترامب لأن القادم لن يكون غامضا وسيصبح كل شيء واضحاً، فلا ترامب هو الدجال ولا سلمان هو المهدي المنتظر فهذا الزمان يبدو بعيدا، لكن ما سيزيل هذه النعمة هو عدم صبر الشعب الأمريكي على المجازر السياسية لترامب بحق الحلم الأمريكي طويل الأمد.

التعليقات :

التعليق على الموضوع : *

بحث الموقع

  • الرابطة  تشارك المتفوقين في الثانوية العامة برفح
    الرابطة تشارك المتفوقين في الثانوية العامة برفح
    • الشهيد المجاهد "بدر كمال مصبح": بدمك وبصنيع يدك سننتصر
    • الاستشهادية المجاهدة "ميساء نمر أبو فنونة": علم.. إيمان.. وعطاء
    • الشهيد المجاهد "علاء سامي أبو غراب": العابد الزاهد والمجاهد الصامت
    • الشهيد المجاهد "شادي سامي الحمري ": حكاية صمود وجهاد بطولي
    برأيك هل الجامعات الفلسطينية راعت ظروف الطلبة بعد


     
    الرابطة الاسلامية تنظم رحلة علمية للطلبة المتفوقين بمدرسة خالد بن الوليد بالنصيرات ورشة عمل بكم نرتقي للطلاب المدارس شمال غزة مسابقة أجيال المستقبل بمسجد طارق بن زياد شمال غزة الرابطة الاسلامية تنظم مسابقة ثقافية بمسجد ابوذر الغفاري بديرالبلح الرابطة الإسلامية تنظم رحلة لطالبات الجامعات وسط القطاع الرابطة الاسلامية تنظم مسابقة ميدانية في جامعة فلسطين

    Mon 19/11/2018